عمر فروخ

55

تاريخ الأدب العربي

في لغة عربية مع التقيّد بكل شيء . وكذلك لا يكون الكتاب مؤلّفا تأليفا مستقلا إذا اعتبرنا ان ذلك يقتضي الابتكار والاستقلال عن المجاري الأجنبية الخارجية . وهكذا يكون عبد اللّه بن المقفّع - حسب هذه النظرية - قد استقى روح الكتاب من مصدر أجنبي ثم صاغه صياغة عربية تلائم البيئة العربية . 3 - مختارات من كتاب كليلة ودمنة : - من باب عرض الكتاب ( وهو من إنشاء ابن المقفّع وليس من الأصل المقول إنه منقول ) ، وفيه وصف لكتاب كليلة ودمنة والغاية من وضعه . وهذا الفصل يمثل الأسلوب الأصيل لابن المقفّع . وفي أسلوب هذا الفصل ونسقه دليل على النظرية الثالثة في أصل كتاب كليلة ودمنة : « هذا كتاب كليلة ودمنة . هو ممّا وضعته علماء الهند من الأمثال والأحاديث التي ألهموا أن يدخلوا فيها أبلغ ما وجدوا من القول في النحو الذي أرادوا . ولم يزل العلماء ، من كل أمّة ولسان ، يلتمسون أن يعقل عنهم ويحتالون لذلك بصنوف الحيل ويبتغون إخراج ما عندهم من العلل في إظهار ما لديهم من العلوم والحكم ، حتى كان من تلك العلل وضع هذا الكتاب على أفواه البهائم والطير ، فاجتمع لهم بذلك خلال . أما هم فوجدوا منصرفا في القول وشعابا يأخذون منها ووجوها يسلكون فيها . وأما الكتاب فجمع حكمة ولهوا . فاختاره الحكماء لحكمته والأغرار للهوه . والمتعلم من الأحداث ناشط في حفظ ما صار إليه من أمر يربط في صدره ولا يدري ما هو ، بل عرف أنه قد ظهر من ذلك بمكتوب مرقوم ، وكان كالرجل الذي لما استكمل الرجولية وجد أبويه قد كنزا له كنوزا وعقدا له عقدا « 1 » استغني بها عن الكدح فيما يعمله من أمر معيشته فأغناه ما أشرف عليه من الحكمة عن الحاجة إلى غيرها من وجوه الأدب . « فأول ما ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له والرموز التي رمزت فيه ، وإلى أيّ غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم وأضافه إلى غير مفصح ، وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالا . فإنّ قارئه متى

--> ( 1 ) العقدة ( بضم العين ) : الضيعة والعقار ( بفتح العين ) ، أي الأراضي والأبنية التي يتخذها الانسان ملكا له .